خط الدفاع الصلب لأرسنال: صلابة إزري كونسا تعوض غياب ساليبا
في عالم كرة القدم، غالبًا ما تكون التحديات غير المتوقعة هي التي تكشف عن المعادن الحقيقية للاعبين والأندية. وعندما أكد أرسنال في يوليو الماضي أن مدافعه الأساسي، ويليام ساليبا، سيغيب لفترة طويلة بسبب إصابة في الظهر، أصيب المشجعون بحالة من القلق المشروع. ساليبا، الذي شكل ثنائياً قوياً مع جابرييل ماجالايس، كان جزءاً لا يتجزأ من الخط الخلفي المحكم الذي استقبل 27 هدفاً فقط الموسم الماضي، وهو ما ساهم بشكل كبير في تتويج المدفعجية بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز.
مع مرور ثماني جولات من الموسم الجديد، لا يزال ساليبا خارج حسابات المدرب ميكيل أرتيتا. ومع ذلك، فإن اللافت للنظر هو أن أرسنال يتصدر الدوري، متعادلاً في النقاط مع منافسيه، وقد استقبل أقل عدد من الأهداف في البطولة. هذا الأداء الدفاعي المذهل ليس محض صدفة، بل هو شهادة حية على التألق اللافت للمدافع الجديد، إزري كونسا، الذي وجد الفرصة الذهبية للتألق وتعويض غياب زميله الفرنسي.
كونسا: صفقة العمر التي فاجأت الجميع
قبل الإعلان الرسمي عن ضم إزري كونسا مقابل 55 مليون جنيه إسترليني من أستون فيلا في أغسطس، دارت الكثير من التساؤلات حول جدوى هذه الصفقة. هل المبلغ المدفوع مبالغ فيه؟ هل يحتاج أرسنال إلى مدافع آخر بوجود كريستيان موسكيرا في الفريق؟ لماذا التركيز على التعاقد مع مدافع بدلاً من مهاجم يعزز الخط الأمامي؟ هذه الأسئلة كانت مشروعة في ظل وجود سبعة مدافعين محترفين بالفعل في صفوف الفريق، بالإضافة إلى الثنائي الصلب ساليبا وجابرييل.
لكن الآن، تحول النقاش من الشكوك إلى الإعجاب، حيث يتساءل الكثيرون عما إذا كان ثنائي كونسا وجابرييل يشكل أفضل شراكة دفاعية في العالم، وليس فقط في الدوري الإنجليزي. يعكس هذا التحول في الرأي استراتيجية أرسنال الجديدة في سوق الانتقالات، التي تركز على ضم لاعبين في قمة عطائهم الكروي للاستفادة من نافذة الفوز الحالية ومواصلة حصد الألقاب. كونسا، البالغ من العمر 29 عامًا، يجسد تمامًا هذا التوجه؛ فهو لاعب في أوج خبرته وقدراته.
مسيرة حافلة بالنجاحات: من أستون فيلا إلى قمة إنجلترا
قبل انضمامه إلى أرسنال، خاض كونسا 286 مباراة مع أستون فيلا منذ انتقاله إليهم في يوليو 2019 قادمًا من برينتفورد. وقد كان له دور بارز في فوز الفريق بلقب دوري المؤتمر الأوروبي في مايو الماضي، وهو أول لقب أوروبي للنادي منذ عام 1982. كما رسخ كونسا مكانته كلاعب أساسي في منتخب إنجلترا، حيث شارك في سبع من مباريات الأسود الثلاثة الثماني في كأس العالم الأخيرة. حتى زميله السابق في أستون فيلا، مورغان روجرز، الذي انتقل إلى تشيلسي مقابل 117 مليون جنيه إسترليني، وصف كونسا بأنه "أحد أفضل قلوب الدفاع في كرة القدم"، مشيراً إلى أنه لا يحظى بالتقدير الكافي الذي يستحقه.
كونسا هو مثال للمدافع العصري؛ يتمتع ببنية جسدية قوية، سرعة ملحوظة، وشراسة في الالتحامات، وهي صفات لاقت استحسان الجماهير. أشاد المدرب أرتيتا بقدرة اللاعب على التأقلم السريع مع أجواء الفريق، واصفاً بدايته بأنها "لا تصدق". قال أرتيتا: "لقد انضم إلى نادٍ كبير بحجم أرسنال دون فترة إعداد مسبقة، ومع وجود ساليبا ولاعبين آخرين بالفعل. أن يضع نفسه في هذا الموقف بهذه الطبيعية ويقدم هذا المستوى من الأداء، ويبني كيمياء وتوازناً مع جابي يبدو قوياً للغاية، هو أمر صعب للغاية. نحن محظوظون جداً بوجوده".
أرقام تتحدث عن نفسها: صلابة وإتقان في التمرير
الأرقام تدعم هذا الإشادة. على المستوى الفردي، سجل كونسا أفضل نسبة تمريرات ناجحة لأي لاعب في الدوري الإنجليزي الممتاز الموسم الماضي، ويتصدر القائمة مرة أخرى هذا الموسم بنسبة نجاح بلغت 96% من أصل 324 تمريرة. كما تصدر قائمة اللاعبين الذين شاركوا في 20 مواجهة أرضية أو أكثر في الموسم الماضي، ويحتل حاليًا المركز 12 في هذا التصنيف للموسم 2026-27. اللافت للنظر أن أرسنال حافظ على نظافة شباكه في خمس مباريات من أصل ثمانية هذا الموسم، وهو رقم لم يحققه أي فريق آخر في الدوري حتى الآن.
منذ انضمامه قبل ساعات من مباراة افتتاح الموسم ضد كوفنتري، شارك كونسا في ست مباريات كأساسي، وظهر لأول مرة في المباراة الثانية ضد ناديه السابق أستون فيلا بعد إصابة زميله موسكيرا. حتى أن أسطورة الدفاع السابق لأرسنال، مارتن كيون، علق في برنامج "ماتش أوف ذا داي" قائلاً: "كان الثنائي ساليبا وجابرييل ضمن قائمة المرشحين للكرة الذهبية كأفضل مدافعين في العالم. كونسا لم يطغَ عليه أحد على الإطلاق بجانب من لعب معهم".
ثنائية تاريخية تولد من رحم الحاجة
وكان كونسا قد سجل هدفه الأول بقميص أرسنال ضد إيفرتون يوم السبت، في مباراة أكد فيها على أهمية الاستقرار الدفاعي. وقال كونسا عن بداية الموسم القوية للفريق: "لقد جئت إلى هذا الملعب لعدة مواسم، وأعلم مدى صعوبة اللعب ضدنا. هذا ليس مفاجئًا لي. نحن الأبطال، ولكي تكون بطلًا، عليك الفوز بالمباريات باستمرار. هذا ملعبنا ونريد الفوز بأكبر عدد ممكن من المباريات هنا".
في مباراته الـ 200 في الدوري الإنجليزي الممتاز، سجل جابرييل هدفه الـ 21 في المسابقة بقميص أرسنال. تسع مباريات كأساسي، سبعة انتصارات، خمس شباك نظيفة، وهدفان بينهما - شراكة كونسا وجابرييل تسير بخطى ثابتة نحو التميز. سجل كلا اللاعبين في شباك إيفرتون، لتصبح هذه المرة الأولى التي يسجل فيها مدافعان من أرسنال في مباراة بالدوري الممتاز منذ فبراير 2024 (ضد وست هام). كما شارك كونسا أساسياً في جميع مباريات أرسنال الثلاث في دوري أبطال أوروبا إلى جانب جابرييل، حيث لا يزال الفريق لم يتعرض للخسارة، مما يؤكد أن هذه الشراكة القوية تستمر في الازدهار.
عبر الدولي الإنجليزي عن امتنانه لزميله البرازيلي قائلاً: "لقد جعل جابرييل حياتي سهلة منذ انضمامي إلى النادي، ومن دواعي سروري اللعب بجانبه".
عودة ساليبا: تحدٍ إيجابي للمستقبل
في غضون ذلك، لا يزال زميلهم المنتظم، ساليبا، لا يملك موعداً محدداً للعودة، لكنه يخضع حالياً لبرنامج تدريبي فردي على العشب. وعند سؤاله عما إذا كان الضغط على ساليبا للعودة المبكرة قد قل، أكد أرتيتا على جودته: "ويليام غير جاهز، ونحن متعطشون لعودته لأننا نعرف ما يقدمه. نحن محظوظون جداً بوجود هذا التنوع في الفريق، وأنا متأكد من أن موسكيرا سيقدم نفس الأداء عندما يلعب، لأن لديهم شيئًا مميزًا هؤلاء الشباب. إن الطريقة التي ندربهم بها، وكيف يرغبون في التحسن، وكيف يعتنون ببعضهم البعض؛ هذا هو جمال فريقنا".
التحدي القادم لكونسا سيكون بالتأكيد عند عودة ساليبا. ومع ذلك، فإن قدرته على اللعب كظهير أيمن أيضاً تمنحه ميزة إضافية وتنوعاً تكتيكياً، مما يضمن له مكانًا في تشكيلة المدرب حتى في ظل وجود ساليبا. إن التألق المستمر لكونسا، والصلابة الدفاعية التي يقدمها، بالإضافة إلى قدرته على بناء اللعب والتمرير الدقيق، جعلت منه عنصراً لا غنى عنه في دفاعات أرسنال، وأثبت أن "لا مشكلة" عندما يتعلق الأمر بتعويض غياب نجوم الفريق.